الشيخ محمد علي الأنصاري
316
الموسوعة الفقهية الميسرة
والتشريع والادخال في الدين : وضع شيء شرعا للغير ، وجعله من أحكام الشارع له ، لا لنفسه ؛ لأنّه غير ممكن . فالبدعة : فعل قرّره غير الشارع شرعا لغيره ، من غير دليل شرعي » « 1 » . وحاصل ما أفاده في هاتين العبارتين وغيرهما هو : أنّ الإنسان لو اعتقد أنّ شيئا ما من الشرع ، واستند في ذلك إلى دليل وإن كان ضعيفا باطلا عند غيره ، فلا يكون مشرّعا ومبدعا ؛ لأنّ ذلك من الاجتهاد . وإن لم يستند إلى دليل ، بل يعلم أنّ ذلك ليس من الدين ، فلا يمكن أن يأتي به بعنوان أنّه من الدين ؛ لأنّ الاعتقاد ليس باختيار الإنسان ، وهذا الشخص لم يعتقد أنّه من الدين ، فكيف يمكن أن يأتي به بهذا العنوان ؟ ! نعم ، يمكن أن يلزم نفسه بإتيان ذلك بعنوان أنّه من الدين ، وهذا مراده من قوله : « ولكن يمكن فعله بإزاء أنّه من الشرع » . كما يمكن أن يلزم غيره بإتيانه بعنوان أنّه من الدين ، كما يفعله الحكّام والسلاطين ، حيث يشرّعون للنّاس أحكاما باسم الدين ويجعلونها شرعا لهم ، ويلزمونهم بالعمل بها . تنبيه : هذه الإضافة إنّما يؤتى بها بالنسبة إلى البدعة في مجال التشريع ، وهي التي تساوي عندهم مع التشريع ، كما تقدّم ، وأمّا البدعة في مجال العقيدة ، فلا مجال لهذه الأبحاث فيها ؛ لأنّها لا ربط لها بعالم التشريع ، كما تقدّم أيضا . هذا كلّه بناء على التعريف المذكور للبدعة ، وأمّا لو قلنا : إنّ البدعة هي مطلق ما حدث ويحدث بعد النبيّ صلّى اللّه عليه واله ، كما يرى ذلك بعضهم « 1 » ، فكثير من المحدثات بعد النبيّ صلّى اللّه عليه واله تكون بدعة ، غاية الأمر يختلف حكمها ، كما سيأتي عن قريب . وإلى جميع ما تقدّم أشار المجلسي بقوله : « البدعة في عرف الشرع : ما حدث بعد الرسول صلّى اللّه عليه واله ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ، ولا يكون داخلا في بعض العمومات ، أو ورد نهي عنه خصوصا أو عموما ، فلا تشمل البدعة ما دخل في العمومات ، مثل بناء المدارس وأمثالها الداخلة في عمومات إيواء المؤمنين وإسكانهم وإعانتهم ، وكإنشاء بعض الكتب العلميّة والتصانيف التي لها مدخل في المعلومات الشرعيّة « 2 » ، وكالألبسة التي لم تكن على عهد الرسول صلّى اللّه عليه واله ، والأطعمة المحدثة ، فإنّها داخلة في عمومات الحلّيّة ولم يرد فيها نهي .
--> ( 1 ) عوائد الأيّام : 325 . 1 انظر القواعد والفوائد 2 : 144 ، القاعدة 205 . 2 بل في جميع المعلومات البشريّة إجمالا ؛ لدعوة الإسلام إلى التعلّم والتفكّر والتعقّل والتدبّر مطلقا ، وإن كان ظاهر كثير منها يوهم العلم الموصل إلى اللّه تعالى . هذا ، مضافا إلى مطابقة ذلك للأصول المرخّصة مثل : أصالة الحلّيّة ونحوها .